عبد الملك الجويني
15
نهاية المطلب في دراية المذهب
وأما ابتدار الناس إِلى هذه الصلاة ، فالسبب فيه - والعلم عند الله - أن العَمَلَة وأصحابَ المكاسب يأوون ليلاً عند الغروب إِلى منازلهم ، ووقت الغروب غير بعيد من وقت غيبوبة الشفق ، فلو لم يبتدروا هذه الصلاة ، لغلبَ فَواتُها على طوائفَ . 653 - التفريع على القولين : إِن قلنا : يمتد الوقت إِلى غيبوبة الشفق ، فلا كلام ، وإِن حكمنا بأن الوقت لا يمتدّ إِلى الغيبوبة ، فإِلى أي وقت يمتد ؟ وما التفصيل فيه ؟ هذا يستدعي تقديمَ أمرٍ في المواقيت هو مَعْنِيٌّ في نفسه ، والحاجة ماسة إِليه فيما نحاوله من وقت صلاة المغرب على قول التضييق ، فنقول : مذهب الشافعي أن الأفضل إِقامة الصلوات في أوائل الأوقات ، وسيأتي ذلك في فصل بعد هذا . 654 - والذي نذكره منه أن ضبط القول في إِدراك فضيلة الأوّليّة مختلف فيه ، وحاصل القول فيه ثلاثة أوجه : وجهان ذَكرهما الشيخ أبو علي ، والثالث ذَكرهُ صاحب التقريب . فأحد الوجهين اللذين ذكرهما أبو علي أن وقت الفضيلة يمتد إِلى نصف الوقت في كل صلاة ، ووجْهُ هذا ، أنه ما لم يتم النصفُ ، فمعظم الوقت باق ، فيجوز أن يسمى مقيم الصلاة - والحالة هذه - موقِعاً صلاتَه في حدّ الأولية . وهذا بعيد عنْدي ؛ فإِن إِقامة الصلاة في أول الوقت يقتضي بداراً ، ومن أخَّر الصلاةَ إِلى قريب من نصف الوقت ، في حُكم المؤخِّر ، ثم من يضبط بالنصف لاشك أنه يجعل البدار أولى ، وهذا تقسيم أول ( 1 ) الوقت إِلى الأفضل وغيره . والوجه الثاني : أن الفضيلة إِنما يُدركها من نطق تكبيرةَ العصر على أول الوقت ، وهذا القائل يقول : لا يدرك فضيلة الأوّليّة إِلا من يقدم الطهارة ، والتأهب على دخول الوقت ، حتى قال هذا القائل : لا يتصور إِدراك فضيلة الأوّلية مع التيمم ؛ فإِنَّ شرط التيمم أن يقع بعد دخول وقت الصلاة . وهذا سرفٌ ومجاوزة حدّ ؛ فإنَّ الذين كانوا يبادرون الصلاة في أول الوقت كانوا لا يضيقون الأمر على أنفسهم إِلى هذا الحد ، فكيف يتخيل المحصّل ثبوت هذا مع العلم بان الأذان والإِقامة كانا يقعان بعد دخول
--> ( 1 ) في ( ل ) : وهذا تقسيم الأولية إلى الأفضل وغيره .